حينما عُرض فِلم المخرج خالد يوسف "حين ميسرة" جماهيرياً منذ عامين صاحبته موجة انتقادات تنوعت أسبابها ما بين تصدير صورة مصر القبيحة للخارج من خلال سكانها القاطنين في "العشوائيات"، ومشاهد سمية الخشاب الجريئة به، سواء الذي ضمَّ شذوذها مع غادة عبد الرازق أو إغتصابها، ممَّا كان كفيلاً لي بالنفور من العمل، ولكن بعدما شاهدته مؤخراً على شاشة التلفزيون فوجئت بواقع مرير مثير للغثيان لا سبيل للتنكّر له، ورغم ذلك الشعور السابق إلاَّ إني احترمت للغاية فكر خالد يوسف، عندما كتب في نهاية الفِلم أنه يعتذر للمشاهدين لعدم مقدرته على تقديم صورة الواقع المصري في العشوائيات الفقيرة كما هو لكونه أشد قسوة وأكثر ألماً!
وما عرضه خالد يوسف على الشاشة ليس بالغريب عنه؛ فهو أعلن مراراً في أحاديثه الصحفية عن إنحيازه لطبقة البسطاء في المجتمع وتقديم مشاكلهم دون أي رتوش لمناكفة الحكومة، وهذا ما نلمسه بشكل واضح في أعماله السابقة "جواز بقرار جمهوري"، الذي سخر فيه من علاقة الشعب بالحاكم من خلال فكرة خيالية هي حضور رئيس الجمهورية لعُرس أحد المواطنين البسطاء قاطني العشوائيات، و"خيانة مشروعة" الذي حمَّل فيه النسبة الأكبر من الفساد الحالي للمجتمع إلى "طبقة الإنفتاح" في سبعينات القرن المنصرم، و"هي فوضى" الذي انتقد فيه - وبصورة صادمة كالعادة – فساد السلطة واستغلال صلاحياتها لتحقيق أغراضها الشخصية على حساب حقوق المواطنين وفي بعض الأحيان كرامتهم.
يتوغَّل خالد يوسف ومعه المؤلف ناصر عبد الرحمن في "حين ميسرة" داخل مجتمع "العشوائيات"، و"عشوائية" في معناها المجرَّد هو ظهور أي شيء دون أساس مسبق، وهو ما يُطبَّق أيضاً بين سكان تلك المناطق في علاقاتهم، حيث لا وجود للخصوصية بينهم، والعلاقات الغرامية مباحة بين الجميع ولو حتى في مقابل رمزي! وسواد "قانون الغاب" وأصحابه من البلطجية وتجار المخدرات، واختار يوسف وعبد الرحمن بداية الأحداث منذ 15 عاماً، دمجا فيها وبشكل بارع بين ما يجري داخل الحي من صراعات وانتكاسات في الوطن العربي بدءً من غزو العراق للكويت عام 1992م ونهايةً بالإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، ولكن وسط كل هذا نرى أن الأمل يلوح للجميع، وانتشار المودة بينهم رغم كل الشدائد مثل طبيعة الشعب المصري بتجمّعهم حول مائدة واحدة في المناسبات والأعياد.
لم يغفل الفِلم من إبراز العوامل التي آلت هذه الشريحة لتلك الفوضى العارمة في المشاعر من خلال شخصية البطل "عادل حشيشة"، الذي يقوده خوفه المستمر من الفقر وعدم قدرته على إعالة والدته وأبناء شقيقته للأبد إلى الهروب من الزواج، وامتهان مهن عديدة مثل إصلاح السيارات، وتوزيع المخدرات داخل الحي، وأخيراً كعميل مزدوج لأجهزة الأمن والجماعات الإسلامية، بعد أن وقع هو أهله ضحية الأولى التي عذَّبتهم بشدة وانتهكت آدميتهم بسبب ما ورد إليهم حول تورط شقيقه الأكبر "رضا" العامل في العراق مع تنظيم القاعدة (أو تنظيف القاعدة على رأي "فتحي" أحد أبطال الفلِم) هناك، وتنتهي أحداثه بهروبه في أحد القطارات الذي تصادف وجود فيه أيضاً "ناهد" التي لا يقل بؤسها عنه، وإبنهما بالخطيئة "أيمن" الذي تحول إلى طفل شوارع ومعه زوجته وطفلهما الناتج هو الآخر من علاقة محرمة، واتجاههم جميعاً نحو مصير مجهول، لتجتمع بذلك السيناريوهات الثلاثة التي دارت طوال أحداث العمل في نهاية درامية جميلة ومؤثرة.
شهد فِلم "حين ميسرة" تأكيداً لموهبة عمرو سعد في شخصية "عادل حشيشة" التي ظهرت بشكل متوارٍ في فِلم "خيانة مشروعة"، كما مثَّل إضافة مهمة لمشوار أحمد سعيد عبد الغني ووفاء عامر بتجسيدها للسيدة الفقيرة المتحمّلة لإهانات زوجها المستمرة بعدم الإنجاب، بينما هو في الحقيقة المصاب بالعقم، وتفجيراً للمزيد من طاقات فنانة مخضرمة ظلَّت طيلة سنوات مسجونة داخل الإطار الكوميدي هي هالة فاخر، وهو ما أَكَّدت عليه أيضاً في فِلم خالد يوسف الآخر "هي فوضى" ومسلسل "شرف فتح الباب"، أما "فتحي" عمرو عبد الجليل فكان هو مفاجأة الفِلم بفضل مصطلحاته العجيبة والطريفة للغاية التي اعتبرها بعض النقاد أنها النسخة الثانية من شخصية "اللمبي"! إلى جانب أدائه التلقائي الذي يجعلنا أمام ممثل من العيار الثقيل في حاجة لاستثمار قدراته.
لقد قدَّم خالد يوسف والمؤلف ناصر عبد الرحمن من خلال "حين ميسرة" كابوساً مفزعاً يُشكرون عليه عن شريحة عريضة في مجتمعات عديدة لها قوانينها وأعرافها الخاصة الخالية من أي آدمية، ودقّوا من خلاله ناقوس الخطر تجاه هؤلاء المهمَّشين الذين بلغ عددهم حوالي 41.4% من إجمالي سكان العشوائيات بالجمهورية حسب دراسة إقتصادية حديثة صادرة من مركز المعلومات ودعم إتخاذ القرار، وأصبحوا كالقنابل الموقوتة بسبب ما يتعرضون له يومياً من صور مختلفة للظلم والقهر بسبب حكومة ورجال أعمال تجاهلت شؤونهم، وهنا أتذكر إشارة الكاتب محمد حسنين هيكل الساخرة في حواره الأخير لقناة "الجزيرة" عن أن المجتمع المصري يشهد حالياً العديد من التغيّرات التي لم تكن تخطر على بال أحد، ومنها إنقسامه بين مجتمع "العشوائيات" ومجتمع "المنتجعات"!