تعيش عاصمة السينما الأمريكية هوليوود هذه الأيام أزهى عصور الهبوط الذي لم تشهده منذ القرن الماضي، حيث أصبحت مملة بمواضيعها المكررة، والمنحصرة تقريباً في ثلاث خانات: العنف، والجنس، والخيال العلمي، والتي يراها صناع الأفلام هناك أنها "العصا السحرية" لتحقيق أعلى الأرباح وإيرادات شباك التذاكر.
إذا نظرنا إلى العام السينمائي في هوليوود فسنجده منقسماً ما بين أفلام حركة غامرة بمشاهد لا يقبلها العقل بأي شكل من الأشكال؛ لدرجة المخاطرة بها التي تودي بحياة أي إنسان طبيعي، وأفلام جنسية مستترة في حبكة كوميدية أو عن المراهقين، وأفلام خيال علمي بعيدة كل البُعد عن العلم، ومتجسدة في صورة مسوخ وقتلة مهووسين متعطشين للدماء، أو أعمال مقتبسة عن شخصيات روايات الرسوم الهزلية Comic Books، والتي أصبح سوقها رائجاً بشكل كبير مع نهاية الألفية الثانية.
ولم يصل هبوط هوليوود إلى هذا الحد، بل إلى أن أغلب هذه الأعمال السابق ذكرها "إعادات" لأفلام قديمة حققت وقت عرضها نجاحاً كبيراً.. وياليتها أعمال تستحق تقديمها برؤية جديدة ومختلفة، حيث ما المغزي وراء إعادة تقديم الجزء الأول من سلسلة الرعب الشهيرة Halloween عام 2007م، أو تقديم هذا العام إعادة للجزء الأول من نظيرتها Friday the 13th؟! وإن كان هذا يدل على شيء فإنه يدل على أن عاصمة السينما الأمريكية أصبحت تعاني أيضاً من إفلاس في الفكر.
وما جاء معبراً تماماً عمَّا ذكرته في الفقرة السابقة أحدث إنتاجات هوليوودThe Curious Case of Benjamin Button، الذي ما هو إلا رواية فلسفية فارغة المضمون، تروي بشكل طويل وممل قصة رجل يعيش حياته عكس عقارب الساعة، بمعنى أنه يولد كهلاً ويموت طفلاً رضيعاً! وكان البطل الحقيقي فيه هي المؤثرات البصرية، والماكياج، والإخراج الفني التي حازت جميعها على جوائز الأوسكار ذلك العام.
بل والأدهى من ذلك هو بداية إفتقاد كبار نجوم عاصمة السينما الأمريكية لبريقهم المعتاد، وأصبحت المادة هي الدافع الرئيسي لوقوفهم أمام الكاميرات، فإذا تابعنا مخضرماً مثل هاريسون فورد في الجزء الأخير من سلسلته الشهيرة Indiana Jones بالصيف الماضي فسنجده عجوزاً مكفهراً لا يقوى على أداء مشاهد الحركة التي كان يؤديها بمرونة في الأجزاء السابقة، وإذا تابعنا فِلم Righteous Kill الذي جمع بين إثنين من "ديناصورات هوليوود" آل باتشينو وروبرت دي نيرو بعد Heat عام 1995م، فسنجد أن أدائهما جامداً خالٍ من المشاعر، داخل حبكة مكررة وضعيفة إندهشت حقيقةً من إختيارهما لها!
وعلى النقيض فإنه يجدر بي الإشارة إلى أن هوليوود قدمت العام الماضي بعض الأفلام التي تندرج تحت فئة روايات الرسوم الهزلية Comic Books، والتي كانت ذو مضمون جيد وبعد فلسفي قوي، مثل The Dark Knight الذي برع فيه الراحل هيث ليدجر بتجسيده لشخصية "الجوكر"، وحاز عنه على جائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد، وThe Incredible Hulk الذي كان من وجهة نظري أفضل ما قُدم على الشاشة الفضية عن شخصية "الرجل الأخضر"؛ بفضل سرعة إيقاعه، وحبكته المثيرة، وأداء الموهوب إداورد نورتون.
أصبحت هوليوود بتلك السياسة التجارية البحتة في طريقها إلى النهاية، ولابد عليها من أجل الخروج من هذه السقطة إعادة حساباتها بالعودة مجدداً لأعمال مخاطبة للمشاعر الإنسانية ومحاكية للواقع، من خلال روايات أدبية مثلما كان حالها في عصرها الذهبي، أو حتى الخيال العلمي المقتبس عن أعمال أدبية، فمن منا ممكن أن ينسى أفلام مثل Jurassic Park أو Lost World المقتبسة من أعمال أدبية للأديب الأمريكي الراحل مايكل كرايتون، بدلاً من صنع جيل مختل متذبذب في تصرفاته ومشاعره.
وإذا كان المعني من ذلك هو المشاهد العربي بتعويده على مشاهد القتل والعنف والدم والأشلاء، كتلك التي يراها يومياً في نشرات الأخبار لما يحدث للمسلمين في كل بقاع العالم بصفة عامة، ولإخواننا الفلسطينيين خاصةً.. فلابد من إتخاذ الحذر لأن القادم ألعن!!